ابن يعقوب المغربي
192
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
( و ) نعود ( أيضا ) إلى تقسيم آخر في مطلق التشبيه وهو تقسيم يعتريه باعتبار وجود التعدد في طرفيه أو في أحدهما فنقول : إن تعدد طرفاه فالتشبيه الملفوف والمفروق ( إن تعدد طرفاه ) معا فصار تشبيهات لا تشبيها واحدا ( ف ) ذلك المتعدد الطرفين الذي هو تشبيهات ( إما ملفوف ) أي : إما أن يكون هو المسمى بالملفوف اصطلاحا وهو الذي يؤتى فيه بمشبهات متعددة منفصلة أو بمشبهين على طريق العطف المفرق بين الأشياء أو غيره مما يقتضى الانفصال والتباين ، ثم يؤتى بالمشبهات بها أو المشبهين بهما كذلك ، وذلك ( كقوله ) أي : امرئ القيس يصف عقابا بكثرة اصطيادها للطيور ( كأن قلوب الطير ) " 1 " أراد بالطير الجنس الصادق بالكثير بدليل جمع القلوب ( رطبا ويابسا ) هما حالان من القلوب والعامل هو كأن لتضمنها معنى التشبيه أي : أشبه قلوب الطير في حال كونها رطبا ويابسا ، ولما كانت الرطوبة واليبوسة لا تجتمعان في محل واحد علم أن كلا منهما وصف لغير ما ثبت له الآخر فلزم كونهما حالين على التوزيع ، فالضمير في كل منهما يعود إلى موصوفه وهو البعض المشمول للقلوب ، فلهذا فسر الضميران بأن قيل يابسا بعضها ورطبا بعضها ، ولم يرد قائل ذلك أن لفظ البعض فيهما هو الفاعل حتى يلزم حذف الفاعل الظاهر ، ولم يوجد في الكلام الفصيح ، وإنما أراد تفسير الضميرين العائدين إلى ما تضمنه الجمع المتقدم ، فليفهم . ولما تنافى الوصفان أفاد أن هنا قسمين منفصلين في جانب المشبه وهما الرطب واليابس ، فقد أتى فيه بمتعدد من هذه الحيثية ( لدى ) أي : عند ( وكرها ) أي : عش العقاب ( العناب ) هذا أحد المشبه بهما وهو المقابل للقلب الرطب ، وهو حب أحمر مائل للكدورة على قدر قلوب الطير بثمرة السدر البستاني ، وهو المسمى في العرف بالزقزوق ( والحشف البالي ) هذا هو المشبه به الآخر ، وهو المقابل للقلب اليابس ، والحشف أردأ التمر ، ووصفه بالبلى تأكيدا لهيئة التشبيه ، فإنه أشبه بالقلب اليابس في شكله ولونه وتكاميشه من الجديد ، وأما العناب مع القلب الرطب فلا يخفى تشابههما في القدر
--> ( 1 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ( 38 ) ، والإشارات ص ( 182 ) ، وفي عقود الجمان ( 2 / 25 ) .